محمد أمين المحبي

367

نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة ( دار الكتب العلمية )

في حدّ ما وراءه مطمع ، ولا يتقرّط بمثل خبره مسمع . إلى تقوى باطنه معمور ، وقناعة موطنه ببركاته مغمور . وإيثار بما ملك ، ووقار يتبعه أنّى سلك . توازن به السحب الهواطل إذا حبا ، ولا ترضى أن تشبهه الجبال الرّوازن إذا احتبى . صحبته بالرّوم فشاهدت ملكا في صورة إنسان ، مطبوعا على الخير فلا يشاب بشرّ ولا يشان . فعاشرته محبّا له محبّة الصحابيّ للسّنّة ، وفارقته فتلهّفت عليه تلهّف آدم على الجنّة . أنسى الأيام وأذكره ، وأذكر مكارمه فأشكره . وهاجر آخر أمره إلى مكة ، فكان بها سحابا ماطرا ، ونسيما إذا هبّ هبّ عاطرا . فأقبل أكثر أهلها عليه ، وسلّموا زمام انقيادهم إليه . ووردوا مشرع وفاقه ، وانتظموا في سلك رفاقه . ثم لم يلبث أن دعاه الكريم إلى داره ، فتولّاه عفوه بمنهلّه ومدراره . وكان أملى عليّ من أشعاره قطعا سهلة ، ربما حفظتها لجودتها من أول وهلة . فلم أعلّقها في دفتر اعتمادا على الحفظ منّي ، ولم أدر أن الأيام وشواغلها تنفّرها عنّي . ثم وقفت له بمكة على قصيدة فتعلّقت بها وجعلتها من المعلّقات ، وأنا من عهدها شغف بترديدها حرصا على تذكّر تلك العلاقات . والقصيدة هي هذه ، قالها في مدح الشريف أحمد ، وأخيه الشريف سعد ابني زيد ، وهما بدار الخلافة : خليليّ إيه عن حديث صبا نجد * وإن حركت داء قديما من الوجد فآها على ذاك النّسيم تأسّفا * وآه على آه تروّح أو تجدي عليلة أنفاس تصحّ نفوسنا * معطّرة الأردان بالشّيح والرّند « 1 »

--> جملة فنون وأطلعه على أسرار علمه المكنون حتى نال منه غاية الأمل . ثم توطن حلب وأخذ بها عن عالمها محمد بن حسن الكواكبي المفتي بها وأقام علة بث العلم ونشره في غالب أوقاته . وله من التآليف الشافية نظم الكافية ، وشرح على البردة وغيرهما . وسافر إلى الروم في سنة ست وثمانين وألف . ودرس بالمقدمية التي بحلب ثم بعد مدة ملّ الإقامة بحلب فقصد الحج بنية المجاورة ، وأقام بمكة مجاورا حتى توفي سنة ثمان وتسعين وألف ودفن بالمعلاة بالقرب من مزار أم المؤمنين السيدة خديجة رضي اللّه عنها ، وكانت ولادته في سنة ثمان وثلاثين وألف . ا . ه . خلاصة الأثر ( 4 / 208 ) . ( 1 ) الأردان : مفردها الرّدن : أصل الكم . القاموس . مادة ( ردن ) .